حيدر حب الله
46
دراسات في الفقه الإسلامي المعاصر
التشريعات أكثر مما تركّز نظرها على آيات الأهداف والعلل . فمثلًا لو أخذنا قوله تعالى في سياق تحريم الخمر والميسر : ( إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَداوَةَ وَالْبَغْضاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ ) ( المائدة : 91 ) ، فلا نجد أنّ الفقهاء اهتمّوا كثيراً بهذا التعليل ، وتأمّلوا فيه وفي إمكان تحويله إلى مناط قطعي ، بحيث يحرّمون كلّ ما يفضي عادةً إلى هذين الأمرين معاً . إنّ تظهير آيات التعليل أو شبه التعليل يمكن أن يساعد كثيراً في فهمٍ أكبر للفقه القرآني ، لكنّ هذه المساحة غير حاضرة بقوّة في الاجتهاد الفقهيّ ، ليس على مستوى ألسنة الأهداف أو التعليل في القرآن الكريم فحسب ، بل وفي السنّة الشريفة أيضاً ، وهناك أسباب دعت لهذا الأمر لسنا بصددها الآن في هذا المختصر . وفي هذا السياق ، من الضروري عدم هدر - إضافة إلى آيات التعليل - دلالة آيات الخطوط العريضة في الشريعة ومعالم المجتمع المسلم ، فهي آيات دستورية قد تصلح للحكومة والتقدّم على دلالات نصيّة أخرى ، مثل : إنما المؤمنون إخوة ، وكي لا تكون دولة بين الأغنياء منكم ، وللرجال نصيب مّما كسبوا وللنساء نصيب مما اكتسبن ، وكون العلم والتقوى معيار الأفضليّة . . فإنّ أهمية هذا النوع من الآيات أنّ به قيامة وامتياز المجتمع الإسلامي ، إذ التفاصيل التشريعية قد لا تكون مهمّةً قياساً بنصوص النهي عن أن يكون المال دولةً بين الأغنياء مثلًا ، والذهنية الفقهيّة يجب أن تهتمّ بالخارطة العامة جداً . د - التنويع بملاحظة نوعيّة الحكم المبرَز في الآية ، بين كونه مولوياً أو إرشادياً لحكم عقلي ، أو مشيراً لمرتكز عقلائي كبرويّ ، وكذلك إلى حكم إمضائي وآخر تأسيسي ، مثل الأمر بإقامة الصلاة أو الأمر بالوفاء بالعقود « 1 » .
--> ( 1 ) انظر : موسوعة الفقه الإسلامي 2 : 39 - 40 .